اسمي هالة.

-١-
اسمي هاله كبرت وأنا لا أعرف معنى ذلك، إلى أن وجدتني مضطربة على سقف غرفتي .. كنت في سن صغيرة أتفقد كل شيء عدا الأعين وغالبا مايلاحقني الكبار كوني الانعكاس الجيد لحاجياتهم،كل ما أعرفه الآن أنني ماهرة في خفق البيض وقلبه في المقلاة دون الاستعانة بشيء عدا يداي، أحفظ حبات الكورن فليكس داخل كيسه في كل مرة أدلقه داخل الوعاء، وأستمتع بتشذيب اليأس داخل أدمغة أصحابي، أروي القصص كما لو أنني بطلتها.
لازلت مهتمة بأن أعرف .. كيف (لبيتر بان) أن يضعني داخل فراشي في كل مرة أنتظره دون أن يصطحبني معه لنيفرلاند؟!

-٢-
كل صباح  يجر التنمر حقيبته معي حتى كبرنا سويّة وفي مقعد العمل أصبح يزاحمني .. حصل أن التقيت بأصحاب سيئين للغاية تركتهم دون أن أحكي لهم ماذا خلفوا وأتجاوز ذلك مع الوقت، كنت أتوقع أن تتوارى عن أحد يؤذيك أفضل من أن تركل قلبه بالكلمات السيئة، أحافظ ألا أكون البقعة السوداء في حياتهم وكأن لا خيار غير ذلك، وأيقنت مع الأيام أن ماتحتاجه دائما ليخفت ألمك هو الوقت والمسافة وقد يختلف معي الكثير لكنها تجاربي.

-٣-
أنا كسولة وخائفة وأعني بذلك أني أستسلم قبل أن تلوح الريح ليّ،وعليه يبدو عليّ غالبًا شعور الاعتياد الكاذب،كبرت وأنا احتفظ بالكثير من الأشياء الجيدة التي ولدت دونما أجنحة ولم أحاول أن أقدم لها المساعدة لكن مايبقيني حيّة أنها ترافقني دون أن تشيخ وأن لها روحا تواقة.

-٤-
بعد أعوام من الوحدة جاء صديقي الذي أنقذني من فقاعة الصمت ،جربت أن أعثر عليّ دون الوقوف على مرئيات الآخرين فيّ .. وفاجأتني الحياة به كان أشبه بظل وارف وحنون وفي كل مرة أتحدث برفقته كنت أحتفظ بنكتٍ كثيرة حتى لا يشعر بالملل، صديقي هذا دفع الخوف من جرف عال حتى ماعدت أشاهد ماذا حدث له.

-٥-
مؤخرا توقفت عن نقل الصورة النمطية لمقاومتي، وما عدت أخزن مشاعري السيئة قبل الطيبة صرت أتخفف كمن يركض من فجيعة السمنة، أصدقائي الذين لم يعودا كذلك تخلصت منهم كمن يتخلص من بقايا طعام يأخذ حيزا دون جدوى، يكفيني من الحياة صديق طيب يفهم اضطرابي على سقف الغرفة.

Advertisements

كيف تختار فيلم الليلة ؟

large-1.png

أمر بأزمة مشاهدة،أفتقد للاختيار الصحيح منذ مايزيد عن شهر، وأتساءل مؤخرا عن فشلي في إكمال فيلم إتفق أصدقائي والعالم على جودته !

بعد بحث دام أسبوع على مقالات تهتم بالأفلام ومتابعة IMDB و Netflix وقائمة الأكثر شهرة، خلصت من هذه الأزمة بأن جودة الفيلم مبنية على رغبتك في مشاهدته،ومناسبة وقتك وجهدك الذهني لذلك.

لذا حتى تستمتع بفيلم الليلة يبدو أن عليك أن تهتم بهذه القائمة:
– نوع الفيلم مبني على جودة يومك أيضًا، حيث يشكل نسبة كبيرة من رغبتك في المشاهدة, فاختيارك لفيلم كوميديا وأنت تمر بمزاج سيء نتيجة موقف اجتماعي لن يساعدك كثيرًا في الاستمتاع بعكس اختيارك لفيلم درامي يجعلك تشعر بأنك جزء منه، حيث يقول المخرج  (وودي ألن): “المشاهد البسيط الذي يختار فيلما ليخرج من واقعه، يرغب دائما في أن يكون جزء من القصة وإن كانت الكوميديا المطلب الأول دائما”.

– قراءة نبذة عنه وعن أبطاله ومعرفة المخرج إن كان لك باع طويل في المشاهدة أو ستغنيك دائما مشاهدة trailer ، يدعمك ذلك في تجاوز نوع الفيلم في حال أن القصة مبتكرة!

– اختيار الوقت المناسب، حيث اكتشفت مؤخرا أن وقت المشاهدة بالنسبة لي يسبق وقت النوم بساعة وهذا مايجعلني في صراع مع الفيلم؛ لذا تجاوزت هذه المشكلة باختيار وقت بعيد عن النعاس (:

– ابحث عن تقييم الجمهور للفيلم في منصة IMDB ،لكن عليك أن تتجنب الاعتماد على ذلك لأن أذواق الجمهور مختلفة ومتضاربة ولاتعطي انطباعًا كاملا عنه, فإن كنت ترغب في تقييم أكثر دقة ابحث عن الفيلم من خلال موقع RottenTomatoes  أو  metacritic حيث يجمع أراء الجمهور – والنقاد – بشكل رئيسي وبالطبع يعطي النقاد أسباب تقييمهم المرتفع أو المنخفض مما سيساعدك على الاختيار بدقة.

الوقت المستقطع من يومك جزء مهم، ومشاهدة الأفلام تزيد من نسبة وعيك وتثير لديك تساؤلات للمعرفة؛ لذا انتق أفلامك بعناية، وتذكر أنك لست تحت ضغط (إجباري) لإكمال فيلم لم يثر إعجابك من الربع الأول .

سفر سادة

IMG_4870

-في السفر تختبر صحة معدتك، طراوة قدميك، عمق نومك، دقة ملاحظتك، وحسن استماعك.

أحب السفر إلى مدن تمتد فيها الشمس لأطول وقت ممكن وحين تنوي الرحيل تأخذ شكل مذهلا ،المدن التي تعترك مع الأرض لتجلب كل التضاريس إليها،المدن التي تخرج من تاريخ لا تكفية المتاحف ولا كتب أدبائها،تمشي في شوارعها فتجد في كل جادة أثر قديم يدل على أن مملكة اندثرت لها باع طويل هنا.
زرت هذا الصيف البوسنة المتنوعة دينيا وثقافيا وعرقيا، البلد الذي شهد أطول حصار على مدى التاريخ ونهض على قدميه بعد حربين، البلد التي مازال وكأنه في التسعينات، يشربون القهوة في النحاسيات،
ترتدي نسائهن عقد من الأحجار المصبوغة ويصنعن مفارش تخفي ندوب الحرب على الطاولات، وتبيع المسنات الكثير من الصوفيات التي تنبأ بشتاء قارس ينتظرهم.
زرت أكثر من بلد يحمل نفس الطابع البصري لكنها الأكثر حميمية والأكثر اهتماما من قبل الرحالة الأوربيون ربما لأنها خرجت من حرب حادة ووحشية،وربما لأن لها باع طويل في المتاحف. بعض الاهتمامات لها أسباب خفية لدى أصحابها.

لم أخطط لزيارة أماكن اقترحها علي الكثير ،جربت هذه المرة أن أتخلص من فوبيا الأماكن المجهولة
،ماذا لو احتسيت قهوة على الطريق لا يقف إليها أحد أو تناولت وجبة عشاء ينقصها الكثير من الثناء بلغتك،ماذا لو جلست لوحدك في عربة تزلج متهالكة وآيلة تحملك بكل ثقلك لأعلى الجبل وحفيف الشجر يصحب رحلتك، أو زرت نهر كان فاصل حدوديا بين دولتين وأنت ترى الضفة الأخرى يبادلونك تلك الدهشة، أو استيقظت صباحا لتزور متحفًا كل ماتعرفه عنه أنه قريب من نُزلك ويكون مفتاحا لكثير من الأماكن التي تضعها في خطتك ،الحياة أكثر سعة من الخيارات التي طرحها الناس أمامك.

استخدمت كاميرا الآيفون في كثير من الالتقاطات التي شعرت بها وشاركتها أصدقائي، أعرف أنني ماهره في صناعة اللحظة لكن الدهشة بكم الأشخاص الذين شاركوني إعجابهم.

سعيت في رحلتي أن يكون لي حديث مع أهل البلد ومن المضحك أنهم هناك يستشعرون رغبتي، حيث إلتقيت برجل ستيني أخبرني أن أغلب أصحاب المال هاجروا إلى بلدان غرب أوروبا وأن من بقي هم الأقلية المتوسطة وعلمني بعض من الكلمات بلغته وأخبرني أن البوسنيين والكروات يتحدثون الكثير من الروسية غالبًا ولم يكشف لي السبب، وقابلت امرأة مسنة تخبز في مكان صغير تضع صورة علي عزت بيغوفيتش أعلى المحل أشرت على صورته وقلت بأن له كتاب رائع،حدثتني بلغتها،لم أفهم من كلامها شيئا إلا أن على وجهها علامات الإعجاب ، وكان وجهي يشير لها بأني أفهم شعورك جيدا.
وفي إحدى الساحات تشاركت مع امرأة شابة -متزوجة من رجل عربي- اللغة الفصيحة حكت لي عن حياتها وأطفالها وكيف تعرفت على زوجها دعتني لزيارة منزلها وأخبرتي أنها تطهو الكبسة .. ضحكت، بادلتها رقم هاتفي،شكرتها وأخبرتها بأني سعيدة بمعرفتها.
في آخر الرحلة كنت أجلس خارج المطار أتناول البسكويت بجانب امرأة أربعينية تنتظر بدورها رحلتها إلى السويد شعرت بها وهي تستنشق أكبر قدر من الهواء أخبرتني بأسى أنها مهاجرة وأنها تحب بلدها -جدا- ولكنها لا تستطيع العودة، لم أستطع أن أقول لها شيئا.


* الآيسكريم ألذ مايمكن أن تتخيله في بلادهم.
*  لم أخطط أبدا لأي شيء في هذه الرحلة.
* أول كلمة تعلمتها بلغتهم (ليابو) =جميل/ وآخر كلمة (زبوغوم) = وداعًا.

-هذه التدوينة ليست مرجعًا تاريخيا قد تبدو مثل حكاية أحكيها لصديق في مقهى ممتلئ.

البنت التي هزمتها المسافة

لم ترتدي فستانها الحقل كما قررت قبل أن يلتهمها النعاس،فاجأها الصبح على غير عادته بمزاج عكر حتى أن خيوطه تتوارى خلف سحابه..ترجلت من منزلها وفي الطريق بدا للآخرين بريق عينيها، كانت تعرف أن مثل ذلك سيحدث لكنها ولأول مرة تعيش هذه اللحظة،تمتمت وبصوت متقطع: متى يصل؟ و كان الصمت أبلغ رد لطول المسافة.
تأخر لكنها كانت مشغولة في نعت صاحب المقهى الذي سكب الحليب على قهوتها دون طلب منها رغم أنه فعل؛ لكنها لم تنتبه.
تنتظر مثل علم،لاتعرف ما الشيء الجاذب ليراها الآخرون،تأخر جدا حتى أن الوقت أخذ نصف ساعة عن المقدر لوصوله، كانت تغير كرسيها تحسبا للقلق مع أن السيد قلق بنفسه وبنصف عين ينظر من بعيد ضاحكا.
تحلق نظراتها في المكان، حيث الوجوه المكتنزة بالشوق، الأيدي القلقة التي ترتفع لتنظر للساعة، وشاشة تشير إلى الرحلات القادمة، الباب الذي يتسع على حين غفلة، والأحضان التي تضيق على أصحابها، وأشعة الشمس التي ترتفع رويدا رويدا حتى بات جزء من المكان باردا، كانت حيلة الوقت تنطلي على كل مكيدة صنعتها.
شيء إهتز داخلها حيث كان الباب أوسع من الفضاء حين اتسع ومشى في خط موازي لها يدفع عربة تحمل ذكرياته المتبقية، وكانت – بسعادة غامرة – تحاول أن تشير إليه، وبدوره انتبه رغم كل محاولاته الجادة بأن يتجاهل ذلك حتى أنه وفي مفترق طريق إتخذ خطوة معاكسة ولم تعد يدها التي ارتفعت كشارة تجدي نفعا، وقفت بأصابعها الباردة تعد الدقائق وتذكرت أن عليه أن يعيد ترتيب نفسه بعد مسافة طويلة، ويبدو أنه فعلا أعادها.
زمت شفتها السفلى حتى فقدت لونها بعد كل محاولاتها الساذجة جدا في الانتظار،أخذت تنظر إلى قدميها ترتب خطواتها هي الأخرى وعند لوحة (خروج) دفعت الباب ولأول هواء سرق ماء عينها ضحكت، وتساءلت: بكم تقاس المسافة !؟
خرجت لكن الطريق كان أطول من أن تصل،وأخف من أن يحملها.